السيد محمد تقي المدرسي

311

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

نقد الفلاسفة للمبدأ الثاني حين نذكر هنا انتقاد الفلاسفة للمبدأ الثاني ( الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ) فليس لأنا نوافقهم على منهجهم في الفكر أو في النقد القائم أساساً على الخلط بين عالم المخلوقين ومقام الخالق سبحانه ، ولكن إنما نبين انتقادهم لسببين : 1 - لبيان الثغرات الكثيرة في نظرية الفيض التي وله بها بعض المتأخرين بغير تفكر . 2 - لمعرفة مدى السذاجة عند البعض في إطلاق هذا البند وكأنه من المسلمات العلمية ، أو من الضرورات العقلية ، ونخص بالذكر المتكلمين منهم ، الذين كان يفروض بهم تحري الدقة في القضايا الفلسفية التي أدخلوها في حقل العقائد الدينية ! 1 - انتقاد ابن رشد يرى ابن رشد أن هذا المبدأ لم يقله سوى المتأخرة من فلاسفة المسلمين ، لأن القول : ( الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ) متفق عليه بين القدماء ، ولكن بمعنى أن الأشياء كلها تؤم واحدة كالنظام في المعسكر أو رئيس المدينة ، فإن فعله الواحد أو أمره يتكثر على قواد جيشه أو مديري مدنه ، وهكذا فعل الواحد عند أرسطو فهو فاعل مطلق وليس كالفاعل في الشاهد ، إذ الأخير فاعل مقيد ، والفاعل المطلق ليس يصدر عنه إلا فعل مطلق ، والفعل المطلق لا يختص بمفعول دون مفعول « 1 » . وأما الفلاسفة في الإسلام فلما سلموا لخصومهم : أن الفاعل في الغائب كالفاعل في الشاهد ، وأن الفاعل الواحد لا يكون منه إلا مفعول واحد ، عسر عليهم تفسير الكثرة عنه ، حتى قالوا : إن الأول هو موجود وبسيط ، صدر عند محرك الفلك الأعظم ، إذ كان هذا المحرك مركباً من ما يعقل من الأول وما يعقل من ذاته ، وهذا خطأ على أصولهم ، لأن العاقل والمعقول هو شيء واحد في العقل الإنساني فضلًا عن العقول المفارقة « 2 » .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 137 ، عن تهافت التهافت ، ص 162 - 172 . ( 2 ) ( ) المصدر ، 138 ، عن تهافت التهافت ، ص 179 .